حيدر حب الله

626

حجية الحديث

لأنّ السيرة تجعل خبر الواحد حجّةً ، ومعنى الحجيّة هو العلمية والطريقية فيصبح خبر الواحد بالسيرة علماً بالتعبّد ، فيكون دليل السيرة حاكماً على الآيات مخرجاً الخبر الظنّي بالحكومة من تحت عنوان الظنّ الوارد في الآيات القرآنية ، فتقدّم السيرة ويلتزم بحجية خبر الواحد « 1 » . ولعلّ هذا هو مراد المحقّق العراقي من قوله بأنّ عمل العقلاء بخبر الثقة من باب تتميم الكشف ، ومعه يكون عملهم به عملًا بالعلم عندهم ؛ لتركهم الاعتناء باحتمال الخلاف ، وفي هذه الحال لا يرون الآيات شاملةً للعمل بخبر الثقة ، فتتقدّم السيرة على الآيات « 2 » . والجواب عن هذا الكلام بات واضحاً ؛ فقد ذكرنا مراراً بطلان نظريّة العلميّة والطريقية ، وأنها مجرّد افتراض ثبوتي ، وإنني أحتمل أنّ الميرزا النائيني تصوّر السيرة العقلائية على أنّها عمل بالظنّ غايته أنّ العقلاء ينزّلون هذا الظن منزلة العلم ، ولا يلتفتون إلى احتمال الخلاف ، في حين فات الميرزا النائيني أنّ نظريته هذه قد تكون شاهداً على صحّة ما ذكرناه في تحليل أصل السيرة العقلائية ، فما معنى تنزيل العقلاء للظنّ الخبري منزلة العلم ؟ الذي يبدو لنا أنّ الميرزا حلّل خبر الواحد تحليلًا شخصياً فرآه على موازينه ظنياً ، تلك الموازين النقّادة القائمة على مفاهيم اليقين البرهاني الأرسطي المسقَط على علم أصول الفقه ، ثم حمّل ما توصّل إليه للعقلاء ، ثم لمّا رآهم لا يلتفتون إلى احتمال الخلاف تصوّر أنهم قاموا بعملية اعتبارية أو تنزيلية بجعل الظنّ علماً ، والحال أنّ هذه العملية كانت في وعي العقلاء عملية واقعية ، حيث لم يلتفتوا إلى احتمال الخلاف واقعاً لا عملًا ، فصار الظنّ اطمئناناً عندهم ، لا أنهم يرون احتمال الخلاف دون درجة الاطمئنان ثم

--> ( 1 ) النائيني ، فوائد الأصول 3 : 195 ؛ ومصباح الأصول 2 : 200 . ( 2 ) العراقي ، نهاية الأفكار 3 : 138 .